أبي الفرج الأصفهاني
446
الأغاني
وأسمعتهم . ثم قدمت مكة وأهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة ، فاحتمل من أموال أهلها ما شاء ، ثم انكفأ راجعا ، فأفّ لحياة في دهر جرأ عليك الضحاك . وما الضحاك ؟ وهل هو إلا فقع بقرقرة [ 1 ] ، وقد ظننت وبلغني أن أنصارك قد خذلوك ، فاكتب إليّ يا بن أمّ برأيك ، فإن كنت الموت تريد ، تحملت إليك ببني أبيك وولد أخيك ، فعشنا ما عشت ، ومتنا معك ، فو اللَّه ما أحب أن أبقى بعدك فواقا [ 2 ] ، وأقسم باللَّه الأعز الأجل ، أن عيشا أعيشه في هذه الدنيا بعدك ، لعيش غير هنيء ولا مريء ولا نجيع [ 3 ] . والسّلام « . فأجابه عليّ بن أبي طالب ، عليه السّلام : بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم : « أما بعد ، كلأنا اللَّه وإياك كلاءة من يخشاه بالغيب ، إنه حميد مجيد ، فقد قدم عليّ عبد الرّحمن بن عبيد الأزديّ بكتابك ، تذكر فيه أنك لقيت ابن أبي سرح مقبلا من قديد ، في نحو من أربعين شابا من أبناء الطلقاء ، وإنّ بنيّ أبي سرح طال ما كاذ اللَّه ورسوله وكتابه ، وصدّ عن سبيله ، وبغاها عوجا ، فدع بني أبي سرح عنك ، ودع قريشا وتركاضهم في الضلالة ، وتجوالهم في الشقاق ، فإن قريشا قد أجمعت على حرب أخيك ، إجماعها على حرب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قبل اليوم ، فأصبحوا قد جهلوا حقه ، وجحدوا فضله ، وبادوه [ 4 ] بالعداوة ، ونصبوا له الحرب ، وجهدوا عليه كل الجهد ، وساقوا إليه جيش الأمرّين . اللهم فاجز عني قريشا الجوازي ، فقد قطعت رحمي ، وتظاهرت عليّ ، والحمد للَّه على كل حال . / وأما ما ذكرت من غارة الضحاك بن قيس على الحيرة ، فهو أقل وأذل من أن يقرب الحيرة ، ولكنه جاء في خيل جريدة ، فلزم الظهر ، وأخذ على السماوة ، فمر بواقصة وشراف وما والى ذلك الصقع ، فسرحت إليه جيشا كثيفا من المسلمين ، فلما بلغه ذلك جاز هاربا ، فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن في السير ، وقد طفلت [ 5 ] الشمس للإياب ، فاقتتلوا شيئا كلا ولا [ 6 ] ، فولَّى ولم يصبر ، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلا ، ونجا جريضا [ 7 ] بعد ما أخذ منه بالمخنّق ، فلأيا [ 8 ] بلأى مانجا . وأما ما سألت عنه أن أكتب إليك فيه برأيي ، فإن رأيي قتال المحلَّين [ 9 ] حتى ألقى اللَّه ، لا يزيدني كثرة الناس حولي عزّة ، ولا تفرّقهم عني وحشة ، لأني محق ، واللَّه مع الحق وأهله ، وما أكره الموت على الحق ، وما الحير كله إلا بعد الموت لمن كان محقا .
--> [ 1 ] الفقع : البيضاء الرخوة من الكمأة ، وهي أردؤها . القرقرة : أرض مطمئنة لينة . ويقال للذليل : هو أذل من فقع بقرقرة ، لأنه لا يمتنع على من اجتناه ، أو لأنه يوطأ بالأرجل . [ 2 ] فواقا ، بفتح الفاء : ما بين الحلبتين من الوقت ، يريد وقتا قصيرا . [ 3 ] نجيع : هنيء . [ 4 ] باداه بالعداوة : كاشفه بها . [ 5 ] طفلت الشمس للغروب : دنت . [ 6 ] كلا ولا : أي مدة قليلة . [ 7 ] جريضا : مشرفا على الهلاك ، من جرض بريقه : إذا ابتلعه على هم وحزن بالجهد . [ 8 ] اللأي : المشقة والشدة والجهد . ولأيا بلأى ما نجا : أي نجا بعد مشقة وجهد . [ 9 ] المحلون : الخارجون من الميثاق والبيعة ، يعني البغاة ومخالفي الإمام . ويقال لكل من خرج من إسلام ، أو حارب في الحرم ، أو في الأشهر الحرم : محل .